الشيخ محمد رشيد رضا

363

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لأجل أكلها لا يسمى لعبا . واللهو ما يشغل الانسان عما يعنيه ويهمه ، ويعبر عن كل ما به استمتاع باللهو . كذا قال الراغب ، وفي اللسان : اللهو ما لهوت به ولعبت به وشغلك من هوى وطرب ونحوهما . ثم قال : يقال لهوت بالشيء ألهو به لهوا وتلهيت به - إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره . وأقول إن الأصل في اللهو إذا أطلق يراد به ما يشغل الانسان من لعب وطرب ودواعي سرور وارتياح عما يتعبه ويشق عليه من الجدأ ويحزنه أو يسوءه من خطوب الدنيا ونكباتها . ثم توسع به فصار يطلق أحيانا على ما يسر ويلذ وان لم يقصد به التشاغل عن أمور الجد ، كمغازلة النساء والاستمتاع بهن . ومنه قول امرئ القيس : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي وقد يطلق أيضا على جد يتشاغل به عن جد آخر ، ولكن الذي عرف استعماله في ذلك الفعل لا المصدر ، فلا يقال إن هذا الفعل لهو بل يقال لهوت بكذا عن كذا أو تلهيت أو التهيت به عنه . ومنه ( فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) وانما تشاغل رسول اللّه ( ص ) عن الأعمى بالتصدي لدعوة كبراء قريش إلى الاسلام لا بشيء فيه طرب ولا سرور نفسي يسمى لهوا باطلاق والمعنى ان هذه الحياة الدنيا التي قال الكفار انه لا حياة غيرها - وهي ما يتمتعون به من اللذات المقصودة عندهم لذاتها ، أو الملهية لهم عن همومها وأكدراها - ليست الا لعبا ولهوا أو كاللعب واللهو في عدم استتباعها لشيء من الفوائد والمنافع يكون في حياة بعدها ، أو هي دائرة بين عمل لا يفيد في العاقبة فهو كلعب الأطفال ، وبين عمل له فائدة عاجلة سلبية كفائدة اللهو وهو دفع الهموم والآلام ، ويوضح هذا قول بعض الحكماء ان جميع لذات الدنيا سلبية إذ هي إزالة لآلام - فلذة الطعام مزيلة لألم الجوع وبقدر هذا الألم تعظم اللذة في إزالته ، ولذة شرب الماء مزيلة لألم العطش كذلك . وأما شرب المنبهات والمخدرات كالخمر والحشيش والدخان فإنه يكون أولا بالتكلف واحتمال المكروه والألم - فان هذه الأشياء كلها مكروهة بالطبع كما أخبر المجربون - وانما يتكلفونه طلبا للذة متوهمة يقلد بها الشارب غيره ، ثم يصير المؤلم بالتعود ملائما بإزالته للألم المتولد منه إزالة موقبة ذلك بأن هذه الأشياء سموم مكروهة